مدارس ألمانيا تحتضن الطفل السوري

حين وصل أيهم، وهو طفل سوري لاجئ، إلى ألمانيا عام 2017، لم يكن يجيد القراءة أو الكتابة، لا بالعربية ولا بأي لغة أخرى. انقطع عن المدرسة مبكراً بسبب ظروف الحرب في بلده، وكانت الحياة في مخيمات اللجوء قد عمّقت هذا الفاقد التعليمي، لكن كل ذلك بدأ بالتغير حين التحق بمشروع “Back On Track – باك أون تراك” في برلين، وهو مبادرة تعليمية واجتماعية تُعنى بدعم الأطفال الواصلين حديثًا.
داخل غرف الصف المجهّزة، وبدعم مستمر من “مرشد” يتحدث لغة الطفل الأم، بدأ أيهم يخطو خطواته الأولى في عالم الحروف، بمرور الوقت، لم يتعلم فقط القراءة والكتابة، بل أصبح اليوم في طريقه للحصول على شهادة تدريب مهني في مجال أنظمة الصحة والتدفئة والتكييف— مهنة يحتاجها سوق العمل الألماني، وتفتح له آفاق الاستقلال والاندماج.
قصة أيهم ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي توثقها منظمة “Back On Track”، والتي تعمل منذ عام 2016 على تمكين الأطفال اللاجئين أكاديميًا ونفسيًا واجتماعيًا، عبر برامج تعليمية مخصّصة تراعي الخلفيات المختلفة للأطفال المنقطعين عن التعليم.
منذ وصوله إلى ألمانيا عام 2021، انخرط أحمد حشيمة في العمل التطوعي مع منظمة “باك أون تراك” التعليمية، التي تعنى بدعم الأطفال واللاجئين في رحلتهم التعليمية. ويقول حشيمة إن الشغف بمساعدة الآخرين وحب العمل التطوعي كان الدافع الأكبر وراء انضمامه للمنظمة، بعد أن خاض تجربة مماثلة في الأردن قبل انتقاله إلى أوروبا.
يلعب أحمد دورًا أساسيًا في تعليم الأطفال من خلفيات عربية، حيث يساهم في مساعدتهم على الحفاظ على لغتهم الأم، ما يمكّنهم من التواصل مع عائلاتهم داخل المنزل. ويوضح أن المنظمة تعتمد على مناهج تعليم اللغة العربية المقررة من الأمم المتحدة، لكنها تتيح للمعلمين حرية الاجتهاد وتكييف المواد التعليمية بما يناسب مستوى طلابهم، وهو ما يمنح العملية التعليمية مرونة أكبر.
ويشير أحمد إلى أن صفوف المنظمة تضم أطفالًا من جنسيات متعددة، من بينهم سوريون وأوكرانيون وروس، إضافة إلى جنسيات عربية أخرى، غير أن التفاوت بين مستويات الطلاب داخل المجموعة الصغيرة يشكل تحديًا للمدرسين، إذ يتطور بعض الأطفال بسرعة أكبر من غيرهم، ما يتطلب من المعلم ابتكار طرق جديدة للتكيف مع هذه الفوارق.
رغم هذه الصعوبات، يروي أحمد قصص نجاح ملهمة، منها تجربة بعض تلاميذه الذين بدأ معهم من تعليم الحروف الأولى فقط، ثم فوجئ لاحقًا بقدرتهم على كتابة رسائل والتواصل مع أقاربهم في سوريا، ويقول إن هذه الإنجازات تحمل قيمة خاصة، خصوصاً في المناطق السورية التي لا تتوفر فيها دائما إمكانية إرسال رسائل صوتية بسبب رداءة الإنترنت، ليكون الحرف والكتابة وسيلة للتواصل والبقاء على صلة بالوطن.
تبدأ المنظمة عملها بإجراء مقابلات مع الطفل وأسرته، لفهم السياق التعليمي والنفسي. بعدها، تُعدّ خطة دعم فردية، ويتولى المرشد من خلفية ثقافية مماثلة مرافقة الطفل، ليس فقط لتعليمه، بل لبناء علاقة ثقة ومرافقة نفسية.
ووفقا لأحمد فإن الطفل في “Back On Track” ليس متلقّيًا سلبيًا، بل شريك في رسم أهدافه التعليمية: كم مرة في الأسبوع يريد الدروس؟ كم مدة كل حصة؟ ما المواضيع التي يشعر بالحاجة للعمل عليها أكثر؟ بعد كل درس، يقيّم الطفل والمعلم سير الحصة، مما يضمن المراقبة المستمرة والتطور المنهجي.
وقد استفاد حتى الآن أكثر من 1500 طفل وشاب من هذا المشروع، الذي توسّع أيضًا ليشمل ورشات تثقيفية للمشرفين والأهالي، واستشارات تعليمية واجتماعية.
تقول إدارة المشروع إن أكبر التحديات هي الفجوة التعليمية الكبيرة، فبعض الأطفال لم تطأ أقدامهم المدارس من قبل، ولا يعرفون كتابة اسمهم حتى بلغتهم الأم. يضاف إلى ذلك أثر الصدمات النفسية، والتحديات الاجتماعية في مراكز الإيواء.
ورغم أن المشروع وُلد في الأساس لدعم الأطفال السوريين، إلا أن فريقه اختار فتح أبوابه لكل الأطفال اللاجئين، منعًا للتمييز وتعزيزًا لمبدأ التكافؤ.
نجاح التجربة في ألمانيا شجّع المنظمة على التعاون مع رابطة حمص في المهجر في تركيا، لنقل آلية المشروع هناك، كما تخطط Back On Track لإطلاق مشروع مماثل داخل سوريا، لدعم الأطفال في الداخل أو العائدين، رغم التحديات اللوجستية الهائلة في ما يتعلق بالبنى التحتية والتجهيزات.
سيكون هذا المشروع بالشراكة مع منظمة قيد التأسيس، على أمل تدريب كوادر تعليمية جديدة، ومواجهة الكارثة التعليمية التي تعصف بجيل كامل في الداخل السوري.
منذ عام 2015، استقبلت ألمانيا ما يزيد عن مليون لاجئ سوري، يشكل الأطفال نسبة كبيرة منهم. ورغم التحديات، حقق كثيرون منهم إنجازات ملحوظة في التعليم والعمل، إذ تشير بيانات حكومية إلى تزايد عدد الطلاب السوريين في المدارس والجامعات الألمانية، واندماج أعداد متزايدة في برامج التدريب المهني.
لكن هذا النجاح ليس تلقائيًا، بل يعتمد على جهود مضنية، ودعم مستمر من منظمات كـ “Back On Track”، التي تلعب دورًا محوريًا في إعادة بناء الثقة بالنفس وتمهيد الطريق نحو مستقبل أفضل.
تُدرك المنظمات العاملة في دعم التعليم، مثل “Back On Track”، أن الاستمرارية لا تقوم فقط على الجهود التطوعية، بل تتطلب منظومة دعم متكاملة، تشارك فيها مختلف مكونات المجتمع، لا سيما القطاع الخاص. فمثل هذه المبادرات لا تزدهر إلا عندما تجد صدى لدى من يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من التعليم، ويُثمر في بناء الإنسان.
ويلاحظ القائمون على المشروع رغبة متزايدة لدى العديد من رجال الأعمال السوريين في المهجر للانخراط في مبادرات ذات أثر مباشر وملموس، لا سيما في قطاع التعليم، لما له من دور مركزي في تمكين الجيل الجديد وتحقيق التحول الإيجابي.
ففي نهاية المطاف، ليس هناك ما هو أنبل من أن يُسهم كل فرد، من موقعه، في فتح طريق لمستقبل طفل كان محرومًا من أبسط حقوقه: التعلّم. وأمثال أحمد، الذين انتقلوا من التهميش إلى التدريب المهني، هم الشاهد الحي على أن دعم التعليم ليس صدقة، بل استثمار في الغد.
في تجارب دول عديدة حول العالم، شكّل التعليم حجر الأساس في مسار التعافي بعد الحروب والصراعات، في ألمانيا، مثلًا، جعلت من التعليم أولوية بعد الحرب العالمية الثانية، فبدأت بإعادة بناء المدارس والمناهج كجزء من مشروع إعادة الإعمار الوطني، وكذلك شهد لبنان بعد الحرب الأهلية مبادرات تعليمية ساعدت في إعادة دمج الأطفال والشباب رغم التحديات السياسية والاقتصادية، وفي كوسوفو وأفغانستان، أطلقت منظمات دولية مثل UNICEF وBRAC برامج دعم نفسي وتعليمي، مع تركيز خاص على الفتيات والمناطق المتأثرة بالنزاعات، ما ساهم في إعادة الأمل لمجتمعات مزّقتها الحرب.
كان أيهم محظوظا بالوصول إلى ألمانيا مقارنة بأقرانه في سوريا، وتغيب الإحصاءات الرسمية لحجم التسرّب المدرسي، لكن التقرير السنوي الأخير لمكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) يؤكد وجود أكثر من 2.4 مليون طفل خارج المدرسة، وأكثر من مليون معرضين لخطر التسرّب، وهو ما يؤكد أن التعليم ليس رفاهية، بل ضرورة مجتمعية عاجلة، وأن المبادرات المحلية المدعومة من مجتمعاتها ومن شركاء دوليين لعبت دورًا جوهريًا في بناء مستقبل جديد. وهذا ما تحاول “Back On Track” ترسيخه في تجربتها اليوم، مؤكدة أن تمكين الأطفال تعليميًا هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار والتنمية، ليس فقط في المهجر، بل في مستقبل سوريا أيضًا.




